لقد نزل لتوه من سيارة أبيه أمام محطة القطار. سيارة فارهة، ملابسه – علي ما تبدوا من انها ملابس موظف حكومي في الخمسين من عمره و ليست بملابس طالب جامعي – إلا أن الترف ظاهرٌ عليها أيضاً. و علي غير العادة كان أباه من حمل له حقائبه، فمن الواضح أنه يُكن له الكثير من الإحترام، إحترام غريب علي علاقة أب بإبن مُتغطرس. صعدا القطار معاً و رتَب الأب له حقائبه و ودعه بقُبلة و بعض الكلمات التي من الواضح أنه لم يستمع لأي منها. بعدما ودعه أباه، قام الولد من مكانه ليُعيد ترتيب حقائبه غير ترتيب آباه! و هَم بإستخراج هاتفه. فكان يستنجد بهاتفه أو كتاب أو بأي شيئ حتى لا تصدمه تلك الأفكار مرة أخري. فإن الأفكار لا تصدم الإنسان مثلما يصورون في الأفلام و الروايات، بإنتظام و ترتيب أنيق يجعله يفكر في ماضيه و مُستقبله، بل تصدمه عشوائية كطلقة مدفع تتسبب في تناثر خلايا عقله أو رُبما قتله بالنهاية، فكان يجب عليه تفاديها حتى لا يخسر أي أجزاء من عقله. و ما لبث بإخراجه حتى صادفه صديقه القديم “سوء الحظ”، الذي و كما يبدوا من إسمه مواعيده لا تختلف كثيراً عن المصريين، مفاجئة و غير سارة. فقد كانت بطارية هاتفه خالية تماماً من الطاقة، بالضبط مثل رأسه بعد بضع حينٍ من ذلك التفكير العشوائي الإجباري. أول ما خَطر ببالِه كان إهانة شقيقته الصغرى بأفظع الشتائم، فكيف يتسنى لتلك الحمقاء أن تنسى شحن هاتفه؟ إن ذلك كان كُل ما هو مطلوب منها أن تفعله في يومها! إنه لا يعلم ماذا سيُحدث لتلك البنت عند دخولها الجامعة مثله. الجامعة، تذكر ما ورائه من محاضرات لَم يحضرها، إنهما إثنتان كاملتان، عليه الذهاب إلى المحُاضر، كي يعتذر له عن غيابه أولاً و يبدأ في إبهاره بأنه قد قام بمُذاكرة المحاضرات في الوقت الذي كان عليه أن يقضيه مع أهله. و ماذا ستفعل تلك الحمقاء، إذا أعجب بها أحدٌ ما من زمائلها المستقبليين؟ فهي جميلة، لابد أنه سيطلب رقمها يوماً ما، و ليس من البعيد أن يدعوها للذهاب إلى أحد صالات السينما. و تذكر الفتاة التي هو مُعجب بها من بداية العام، يا إلهي، لم يتحدث إليها حتى الآن، سيفعل ذلك حتماً يوماً ما. و لكن حُبه سيكون خالصاً أكيد ليس كهذا الفتى الذي سيطلب رقم هاتف شقيقته بعد عشر سنين رُبما. و إستمرت الأفكار في الإصطدام برأسه و لم يفُت حتى نصف الساعة من الإحدى عشر ساعة المُقررة عليه في هذه الرحلة. و لكنه قَرر ألا يستسلم لهذه الأفكار تلك المرة، فهو لا يود أن يذهب إلى تلك المنطقة السوداء من عقله حيثُ لا آلهة و لا قوانين و كل ما يوجد هناك هو ذاته الفريدة من نوعها في عالم خيالي يحكمه هو و من ذوي عقليات فذة مِثله، أما باقي العامة سيمثلون القوة البشرية من الجنود و المزارعين و غيرهم، إنه ليس عالم إشتراكي، بل عالم مثالي! ذلك العالم البديع الذي اختلقه و مَقته جورج أورويل في روايته، فتلك القوي البشرية التي تحيط به في تلك العربة لا فائدة منها حقاً، و أهله بالمثل لكن هل سيقتسم لأهله أفضل جزء من أجزاء العامة؟ أم أن ذلك سيضر بالمثالية التي يقوم عليها .. لقد جاءته الأفكار مرة أخرى! جاءته من باب مقاومتها، إنها أقوى منه حقاً، لكنه لن يستسلم. و لن يرضيه طبعاً الحديث مع من حوله، فوجود فِكرة الأقلاء لن تخمد في عقله الباطن إلا إن كانت نابعة من عقله الظاهر أو العكس. لكنه لن يستلسم أيضاً. سيقوم بفعل أي شيئ، بالمعنى الحرفي للكلمة، نهض من مكانه و ذهب متوجهاً نحو عربة “البوفيه”، قليلٌ من القهوة لن يضر. قبل أن يقوم من مكانه تأكد من وضع حقائبه بترتيب صحيح، و أخذ معه ما يُمكن أن يُسرق في حقيبته و سار نحو العربة المقصودة. و قبل أن يصل إليها، لفت إنتباهه أمرًا كان غريب بالنسبة إليه، على أنه مألوف في الوقت ذاته. مجموعة من الشباب يبدوا من هيئتهم أنهم عُمال، “الجلاليب” المتسخة، الأدوات الثقيلة الموضوعة في حقيبة من “الخيش”، و السجائر “الكيلوباترا” المهترئة في فمهم أو بين أصابع أيديهم و هي ممسكة بكوب الشاي الورقي. لقد كانوا نموذج مثالي للقوة البشرية التي تخيلها في عقله منذ قليل، و مع ذلك لم يكن هذا الذي ألفت إنتباهه، كانت جلسة سمرهم، السعادة علي وجوههم و هم يجلسون القرفصاء يتسامرون و يضحكون بصوت عالي و يظهر على أعينهم السعادة، تحادثهم بلهجة إقليمية، عشوائيتهم في تبادل الحوار، سعادة مطلقة غريبة نابعة من جلستهم تلك وحدها. تلك الجلسة التي يرى كثيراً منها في الجامعة، و في العائلة و علي المقاهي. تلك الجلسات التي قد تشترك في علو صوت الحوار العشوائي و الضحك علي ما هو سخيف. لكن تلك الجلسة كانت متفردة، ليس متصنعة، أيُمكن بسبب إنعدام القيم المادية و الإجتماعية مما رفع التكاليف نهائياً و أنهي الإصطناع؟ إنه لا يعلم أو لا يهتم، و عاد للتفكير فيهم مرةٌ أخري بعد إنقطاع قصير بسبب طلب القهوة و ما شابه.
في تلك المرة، عاد للتفكير في كيفية هدم جلسة السمر لكُل مُعتقداته، إن خلو فكرة المصلحة المشتركة أو الرابط من تلك الجلسة غير منطقي بالنسبة للولد. فإن التتابع المنطقي للنتيجة و السبب غير موجود في تلك الجلسة، فالجلسة العائلية تجمعهم صلة الرحم، و في الجامعة تكون الدراسة هي الرابط، و علي المقاهي و غيرها تكون ثِمة هُناك لغة مشتركة مثل الألعاب الورقية أو إهتمام مشترك بينهم، لكن جلسة السمر لم تحتوي علي أياً من ذلك، فوجود أربعة شباب بسن متقارب يصعب وضعهم في خانة الأقارب، ربما جيران، و إن كانوا كذلك، فليس هذا الذي جمعهم، و علاقتهم كانت تتعدى علاقة مفروضة كالجامعة أو الخدمة العسكرية، و بالطبع ليست زمالة عمل، فمثل هؤلاء فرضوا أنفسهم على العمل بقوة سواعدهم. لقد أربكه هذا الأمر، و كان يجد فيه تسلية عن أفكاره الرتيبة المسمومة. و لكن ما الذي جمع هؤلاء الأربعة غير جغرافيا المولد؟ لربما هُم أصدقاء مدرسة شاءت الصدف أن تبقي طرقهم متلاقية؟ و لكن لا، تلك سعادة غريبة و حتى إن كان كذلك، فلقد إختاروا البقاء سوياً تلك السنوات؟ بدون وجود رابط أخر؟ أيُعقل وجود علاقة إنسانية مبنية فعلاً علي مجرد العلاقة؟ لقد تخطى وجود شيئ مثل هذا في تفكيره منذ زمن، لكنه وُجد متمثلا أمامه لا في علاقة حُب أسطورية، بل في أبسط صوره. مجموعة من الأصدقاء لا يربطهم شيئ غير الصداقة! لقد وجد الآن طريقة يقتل بها الوقت قبل أن يقتله التفكير، إنه سيتحدث معهم، سيكمل الرحلة معهم بنفس الجلسة يتشارك من سمرهم. نعم لقد تعالى على أن يُحادث ذوي الشهادات ممن بجواره في محطة القطار، و لكنه وجد ما هو أغلي و أثمن. كان عليه أن يقوم بخطة مُحكمة، أولى خطواتها أن يبدوا بمظهر مقارب لهم، سيُخرج قميصه خارج بنطاله و يقوم “بتشمير” القميص، و سيقوم بتعديل قصة شعره تلك، و أحس بوجود نقصٍ ما. هو لا يعلمه لكنه يعلم أنه يُمكن تعويضه، كما سيفعل الآن لتعويض وجود هاتفه. سيقوم بتدخين السجائر! إن ذلك لابد من إدخال بعض القبول لدى صدورهم الصدئة المليئة بالدخان. و لكن تبقى له أهم جزء، كيف يبدأ حديثه معهم. نعم، لقد وجد صعوبة في هذا السؤال كما وجده في من هو معجب بها، هل فعلاً ليس سحرها هو المنيع لإجابة السؤال؟ أم أنه سؤال يصعب فقط حين نخشاه؟ هل هذا هو السهل الممتنع؟ و وقف في تلك النقطة من التفكير دون غيرها وقتاً أكثر. و توصل لحل سيجعل أسوأ الأحوال ان مجموعة من القوى البشرية لم تتقبله في نهاية الأمر، و لكن أيرضى لنفسه ذلك؟ ستكون بمرارة أسوأ حالات حديثه مع محبوبته أيضاً! بل أدهي و أمّر، فهؤلاء عالة بشرية.
و لمرة قام بمحاولة شيئٍ غير مألوف عليه، و هو الإرتجال. دخل عليهم عشهم المؤقت بين عربات القطار، بحجة أنه سيشعل سيجارة، وجدهم كما كانوا، ألا إن سخونة حواراتهم العشوائية كانت أقل. فألقى السلام، و قام بإشعال سيجارته في حركات كثيرة علي شخصٍ مُدخن. فبادره أحدهم: “انت مبتشربش سجاير، صح؟” الولد: “لا و الله، لسة مرمي عليها قريب” الشاب: “ليه يا ولدي ما تبعد عنها أحسنلك” الولد: “و الله لولا الشغل و قرفه و السفر” الشاب: “انا قلت عليك بتدرس و الله، شغال إيه؟” و إستمر الحوار بينهم، وقد نجح فعلاً في الولوج بينهم.
–
خرج من محطة القطار، متوجهاً نحو محطة عربات الأجرة ليعود أدراجه إلي البلاد، حاملاً علي كتفه حقيبته “الخيش” المليئة بالعدد و الأدوات، لقد ترك رحلة ذلك القطار في منتصف الطريق! و لم يتسأل “هل كنت تتخيل أن تتشاجروا بعد تلك السنوات؟” و لم يتسأل “هل كانوا حقاً أصدقائي؟” و لم يتسأل شيئاً، كل ما كان بداخله هو كره شديدٌ لأصدقائه لم يجعله حتى أن يتحمل باقي الرحلة كي لا تضيع ثمن التذكرة هباءاً.

أضف تعليق