تخيل معي أنك مُدافع بإحدي الفرق الإيطالية في العقد الماضي، وتُشاهد كُرة طولية تأتيك من قلب نصف ملعب الخصم مُتجهة صوب حارس مرماك في إتجاه غير مفهوم بالنسبة لك، وحتى وإن كان مفهومًا فإنها ستصل إلى مُهاجم الفريق الخصم قبل أن تحاول أن تقطع أنت طريقها. إنها قادمة من آندريا بيرلو.
إذا رفع بيرلوا عيناه، والكرة تحت قدمه، فإعلم أنك في خطر.
جائني هذا التخيل عند مُشاهدة هذا الفيديو للدون آندريا (واحد من أعظم لاعبي خط الوسط بتاريخ المُستديرة):
ومِن هذا الفيديو، المُصاحب بموسيقى تُشبه ناقوس الخطر، بدأت رحلة إعجابي بهذا اللاعب، حتى أسمع من أحد الأصدقاء أن بيرلو تعلم في خلال مسيرته الكروية تسديد الركلات الحُرة! وهذا ليس شيئًا عاديًا، فهذا يعني أنه لم يكن موهوبًا بالفِطرة أو مُتمرس على تسديد الكُرة مُنذ الصِغر، يل تعلمها! تعلمها وأصبح من أحسن من يقوم بها في تاريخ الكُرة أيضًا. فتحول الأمر إلى أكثر مِن مُجرد إعجاب. هذه هي النُسخة التي أود أن تُلهمني من قصص الكفاح والنجاح وليس قِصة تعلم إصطياد الأخطاء وتسديد الأهداف وإستعراض العضلات.
أنا أفكر إذًا أنا ألعب إسم الكتاب الذي قام بكتابته، وبُمجرد سماعي عنه وضعت روايات محفوظ وأدب تشايكوفسكي وفلسفات ألبير كامو جانبًا. لأن هذا هو الفيلسوف الذي أود القراءة مِنه، ليس لسببِ إلا أنني رأيت بعيني ما فعله من إبداع وما حققه من إنجازات وما مر بِه من صعوبات على أرضية الملعب الخضراء المُستطيلة. إنه ليس مُجرد فرضيات على ورق بل إنه مِثل أرسطو حينما كان يستلهم فلسفته من حوارات الناس في الشوارع، إنه مِثل محفوظ وهو يصف الحارة المصرية، مع الفارق أنه كان جُزءًا مؤثرًا في المجال المُحيط به وليس واصفًا له فقط. إنه سلك طريقه في الحياة، ثُم قام بالكتابة عنه بعد ذلك.
وإذا لم تكُن مِن هواة القراءة، أو لم تكُن من هواة كُرة القدم، أو حتى إن كان لك هوايات أخرى، فأنا أنصحك بشدة بقراءة هذا الكتاب لأنه سيضيف إليك أكثر بكثير من الوقت الذي ستضيعه. كما أن بيرلو ليس كما يبدو على الكثير من لاعبي الكُرة، بل أنه كاتب مُخضرم يُجيد الوصف، كما أنه إستعان بكاتب آخر مما يدل على مدى معرفته بما يفعل. وهذا ما سأعرضه في المُقتطفات التي أخذتها مِن أول خمس فصول من الكتاب.
يبدأ بيرلو كتابه وكأنه يحاور القارئ بما يجري في ذهنه مُباشرة، بُمنتهى الصدق لاعنًا –على مدار صفحات الكتاب- أكاذيب أحاديث الصحافة، السياسة، ورجال الدين. يبدأ الفصل الأول بالحديث عن الحادثة المشهورة وهي إقصائه من نادي ميلان، وكيف تم تعويضه عن كُل هذه التمريرات الحاسمة والأهداف والبطولات بقلم! نعم قلم حبر لامع وجميل وربما غالي الثمن لكنه يظل مُجرد قلم. وبدون الخوض في تفاصيل هذا الفصل، يُعطينا آندريا بيرلو درسًا في تعلم المُضي للأمام، وكيفية تجاوز الأشياء والأحباب بدون أن تجور على صحتك النفسية ومِن ثَم البدنية. كيف تُعلم نفسك أن تتجاوز من تركوك، لأنه لم يتحدث عن ميلان كنادي تخلى عنه مِثل كريستيانو رونالدو، بل تحدث عن الأمر على أنه خيانة، وسيتضح في باقي صفحات الكِتاب لما كان ينظر للأمر على أنه خيانة. لكن في هذا الفصل، الفصل الأول، بدأ الحكاية مِن أخرها بكيفية المضي للأمام بإبتسامة على وجهك أمام من تعمد أذيتك، وأعطاك مُكافئة نهاية خدمة بعد عشر سنوات من اللعب، قلم حبر لامع، لامع لكنه مُجرد قلم. ويذكر بيرلو أن أدريانو جالايني مُدير النادي حينما أعطاه القلم قال له: “بالله عليك، لا توقع به مع يوفينتوس”. تمالك بيرلو نفسه وحافظ على إبتسامته أمامه رغم أنه ليس الوقت المناسب لإلقاء النِكات. ويُنهي بيرلو الفصل بمُكالمة تليفونية مِن إنتر ميلان لضمه معهم، لكنه إعتذر منهم لأنه قد وقّع بالفعل مع يوفينتوس ولتكون أخر جُملة في الفصل “لن أقول أبدًا على القلم الذي وقعت به العقد”. بنفس الحس الفُكاهي الساخر ولكن ليس بدافع الكراهية مثل أدريانو وإنما بدافع الإستهزاء.
ويخوض بعد ذلك بيرلو كتابه بنفس الطريقة واصفًا لمشاعره وأحاسيسه عند كُل لحظة في خلال مسيرته الكروية واصفًا التقلبات المزاجية، الأفكار الليلية التي تضرب رأسك، وكيف كان يتعامل هو معها. كيف تجاهل زملاء طفولته حينما تخلو عن حلمهم في أن يصبحوا لاعبين مُحترفين في ريال مدريد وبرشلونة. كيف ظلت أرض البرنابيو هي مطمع أحلامه، كيف تعامل أباه مع باقي الأباء المُشجعين الكارهين لإبنه، كيف أثر فيه “إختراع البلايستيشن” وكيف نفذ أول ضربة جزاء بكأس العالم والبانييكا في رُبع نهائي اليورو 2012، والكثير والكثير من الأحاديث والقصص التي لن أستطيع تلخيصها كُلها هُنا، فسأقوم ذكر ما أعجبني مِنها.
في البداية ذكرت كيف تحدث بيرلو عن خيانة إدارة ميلان، وذكرت بعدها حلم الطفل الصغير بداخله في اللعب في البرنابيو، وبعد كأس العالم. كان هُنالك عقد جاهز بإسمه في مدريد، وكُل شيئ كان على ما يرام عدا أن الإدارة في اللحظة الأخيرة رفضت بل وإمتنعت عن التخلي عنه. ولو كان يعلم وقتها أن هذه الإدارة ستعوضه عن مسيرته بالنادي بقلمِ حبر، لرُبما إتخذ أول طائرة إلى مدريد مهما كانت الظروف.
“After a while I began to suspect that it wasn’t Mark David Chapman who killed John Lennon. It had been one of the Milan directors.”
يتضح الحس الدعابي لبيرلو من مثل هذه السطور، وحس الدعابة غالبًا ما يدل على درجة رفيعة من الذكاء المُمتزج بالإبداعية.
وفي سطورِ أخرى، يصف حالة نمر بها جميعنا قبل أي إمتحان صعب في الحياة، مُتحدثًا عن الرحلة من دائرة مُنتصف الملعب لتسديد أول ضربة جزاء بنهائي كأس العالم:
“The situation completely possesses you. You feel like a prisoner, but also totally at ease. One minute you’re suffocating and the next you’re breathing in mountain air. You close your eyes and see a whole load of things, then you open them and the colors of the painting dissolve around you, re-emerging in different forms. The image loses its outline and your mind flies away, a hot air balloon swollen by a thousand thoughts, each of them dangerously heavy.
I’ve got a fair few kilometers under my belt, but it’s the short distances that wear me out. They’re tests of your mental stamina rather than your speed. For Neil Armstrong, it was walking on the surface of the moon and, in my case, the ultra-green pitch of the Olympia stadium.”
وبعد ذلك وبنفس الحِس الفُكاهي يتحدث عن كيفية المضي بهذه الأمور بالدعاء تارة أو بعدم الإهتمام تارة أخرى:
“I then lifted my eyes to the heavens and asked for help because if God exists, there’s no way he’s French.”
وبعد ذلك تحدث عن واحدة من أحسن ما قرأت في كيفية إتخاذ مِثل هذه القرارات أين ستسدد الركلة؟ اليمين، اليسار، أم المُنتصف. ولفت إنتباهي أن بيرلو لديه من الغرور وعزة نفس الطليان ما يكفيه حتى لا يقوم بنبذ مُنافسيه مِثل إبراهيموفيتش أو مورينيو. فبينما يصف صعوباته في ضربات الجزاء، يُشيد بفرانشيسكو توتي الذي قام بإخبار زُملائه بأنه سيقوم بالتسديد على طريقة بانينكا، وقال أيضًا بنفس الغرور بأنه إذا كُنت ستعلم كيف تُسدد ضربة الجزاء قبل مواجهة عين الحارس فأنت إحدى إثنين، أحمق أو توتي.
أخيرًا وليس أخرًا، سأترككم مع وصفه لبرشلونة جوارديولا وحديثه عن جوارديولا نفسه (الذي رغب بضم اللاعب ولكن تمنعت ميلان عن تركه، لتحرمه من حلم طفولته بالإنضمام إلى ريال مدريد أو برشلونة أو كلاهما، وتعويضه بقلم حبر لامع في النهاية).
“As with Real Madrid (in fact, even more so than with Real Madrid), I’d have crawled to Barcelona on all fours. At that time, they were the best team in the world – what more needs to be said? Their brand of football hadn’t been seen in a long time; all little first time passes and an almost insane ability to maintain possession.
Theirs was a basic philosophy – “the ball’s ours, and we’re going to keep it” – mixed with intuitive understanding and movement so impressive that it seemed orchestrated by God himself. A Rolex with Swatch batteries. Utterly refined, extremely long lasting.”
“Ibrahimovic thought he was insulting him when he called him ‘The Philosopher’, but when you think about it, that’s actually a nice compliment. Being a philosopher is to think, seek wisdom and have principles that guide and influence what you do. It’s to give meaning to things, find your way in the world, believe that in the end, in every instance, good will overcome evil even if there’s a bit of suffering along the way.”
إختيار بيرلو لأن يقوم بمُساعدته كاتب في كتابة هذا الكتاب فهو يدل على العقلية الناضجة والسلام النفسي الذي يمر به. فحتى لا يخرج لنا الكتاب على هيئة ألبوم صور مِثل كُتب إبراهيموفيتش. إنه إختار أن يُخرج الكتاب مِثلما يُخرج التمريرات والتسديدات، بدِقةٍ عالية وقِمة في الروعة. وبالنسبة لي أنا شخصيًا، هكذا يجب أن تتم الأشياء.

أضف تعليق