“في البداية خرجتُ من المطبعة الكبيرة متلاقصة مع إخوتي جميعاً، كنا ورقة واحدة. كانت ألواني الزرقاء لامعة، و علامتي المائية في غاية الوضوح و كان عليّ إمضاء المحافظ بنفسه، تلك كانت أجمل لحظاتي. حتى قاموا بتقطيعنا، حينها أدركت أن كُل ورقة مِنا مُستقلة بذاتها، و حزنت لمعرفتي أن إمضاء المحافظ كان يوجد على كل ورقةٍ مِنا. و حزنت هذا الحزن في رحلتي كثيراً، ذاك الحُزن حين تعلم أنك لست مميز بأي شيئ عن الأوراق غيرك حتى تعتاد عليه و يرتبط بك و يتلاشى و لا يتبقى سوى ذلك الإمضاء المتكرر.
قاموا بوضع كُل مائة ورقة برابط، و كان هناك العديد من الروابط المترابطة بدورها بروابط أكبر. كنا جميعاً متماثلين و لم أكن أعتقد بوجود أوراق غيرنا. تعرضنا للعديد من التنقلات و تم تفكيك الروابط الكبيرة حتى إنتهت الرابطة التي كُنت جزءا منها داخل “جيب” رجلٍ ما. تلك كانت أول مرة اتعرض فيها لمثل تلك الاماكن الضيقة. بقينا معاً مائة ورقة لفترة ما، و لنقل إنها فترة كافية لجعل الرابطة بيننا أكبر من كونها تلك الرابطة المادية. فمنذ خروجنا من المطبعة لم يُفرقنا شيئٌ، إلى أن جاء ما عَكّر علينا صفونا، فذات مرة، قام بإخراجنا من جيبه و قام بنزع الرابط، و لم أرتح لهذا الشعور في البداية و سُرعان ما كُنت مُصيبة، إذ كان يفرقنا ورقةً ورقة. و كان كُل الوقت اللازم لترابطنا يتبدد في لحظة. لحظة لم يكن يكترث فيها حتى لمشاعرنا. كان هناك صف من الرجال مثله، لكنهم أقل حجماً، فكان يعطي كُلاً منهم ورقة قائلاً: “خمسة جنيه جديدة أهي يا حبيبي، كل سنة و أنت طيب” ثُم كان يضع فمه على خد الأطفال أو جبهتهم أو حتى فمهم، علمت بعد ذلك أنها تُسمى قُبلة. و كانت كُل ورقة مِنا تنظر إلى الورقة أختها و هي تُسحب من وسطنا لتعطى لرجل آخر فيأخذها مبتعداً نظرة شفقة تتغلب عليها نظرة الخوف من المجهول و التساؤل عنه.
جاء وقت مصيري الحتمي، فسحبني الرجل عندما كنت أعلى أوراق رابطتنا و كانت المرة الأولى التي لا يكون حولي أي أوراق. قامي بإمساكي الرجل الصغير قبل أن يُفلتني الآخر، أمسكني و لم يفلتني، لم يضعني بأي مكان، ظل مُمسكاً بي بقسوة، و كم تمنيت أن أكون في أي مكان غير يده القاسية، فأنا كورقة مالية لم أعتد أن أوجد في مكان مفتوح مُتنقل كهذا. ذَهب بي إلى مكانٍ آخر قام بإعطائي لرجل جديد بنفس الطريقة، عدا أن مسكته كانت أقل قسوة، و أعطاه هو بدوره أوراق أخرى و أشياء إضافية. قام ذاك الرجل الجديد بوضعي داخل مكان شبيه بأماكن المطبعة فكنت وسط أوراق مالية أخرى لم تشبهني، كان هناك بعض الاوراق الزرقاء الأخرى. كُنت خائفة من تلك الأوراق، خائفة ذات خوفي من المجهول الذي سيلازمني أيضاً طوال رحلتي حتى يتلاشى أيضاً. و في ظل كبكبة تلك المشاعر جاء إلى ذهني شيئان أبهجاني حقيقةً، أولهم أنني “خمسة جنية جديدة”، فلا أظن أن تلك الأوراق كانت ضمن رابطة و تم إطلاق لفظة خمسة جنية جديدة عليها، حتى الأوراق التي تشبهني في أولوانها جداً. و الأمر الثاني أنني ذات قيمة، فلقد حصل الرجل الصغير على أشياء و ورق مالي آخر مقابل إعطائي لهذا الرجل.
ظلت تلك الأفكار الممتزجة بمشاعر البهجة و الخوف و الحزن تصدمني وحيدة، بينما كانت الأوراق المالية الأخرى تتبادل الحديث. ففكرت في مشاركتهم مآسيّ بدلاً من إبقائها لنفسي و ما لبثت أن أبدأ الحديث مع إحدى الأوراق حتى سحبني الرجل و قام بإعطائي لشخص آخر.
أمسكني ذاك الشخص مَسكة جعلتني أتمنى أن أعود إلى يد الرجل الصغير مرة أخرى. فمُنذ خروجي من المطبعة حتى وصولي إلى يد الرجل الصغير كُنت ورقة مفرودة لم يُثنها شيئاً، حتى بعدما أمسكني الرجل الصغير قام بطيي مرتين، ووضعني الرجل الثالث في ذاك المكان وسط الأوراق الأخرى بنفس الطية. لكن هذا الرجل الجديد أمسكني بطريقة غريبة غير مفهومة و لكنها مؤلمة فلقد كانت أطرافي متلاصقة بشكل غريب، كنت علي هيئة كرة. و على الرغم من أن تلك المسكة لم تدم كثيراً، إلا أنها آلمتني كثيراً، خصوصاً و أنه قام بوضعي في جيبه و أنا علي نفس الحالة.
بقيت على تلك الهيئة، مدة طويلة، مدة جعلتني أفقد إحساسي بالوقت، دخل إلى جيب ذاك الرجل الكثير من الأوراق و خرجت بنفس الطريقة. إن الأوراق مِثلنا لا يجب أن يُعاملوا مثل ذلك. قتلني التفكير في ذلك الوقت، فكرت في كُل شيئ بداية من الذكريات، إلى السيناريوهات اللانهائية التي تخيلتها للمستقبل، فلم يتبق لي في تلك الوحدة سوى أفكاري. الوحدة، شيئ لاحظته مؤخراً وقتها و لم أعلم متى دخلت فيه، فلم يكن هناك أوراق مالية غيري، كما أن الرجل توقف عن الحركة. فلم أشعر بهذا و إلا أنا ساكنة وحيدة داخل جيب وحيد هو بدوره، فكما قلت لكم، لقد فقدت الإحساس بالوقت.
وسط كُل السيناريوهات السعيدة و الحزينة التي تخيلتها لمستقبلي، لم تفشل رحلتي بمفاجأتي بسيناريو أبشع.
لقد دارت بيا الدنيا، دارت دوراناً شديداً ممتزجاً مع تلك السوائل الغريبة التي كانت تُذيب ألواني، و أقول لكم إن ذلك المكان الذي تدعونه “الغسالة” هو أبشع ما قد تتعرض له ورقة مالية.
بعد ذلك وجدت نفسي و بعد تنقلات غريبة غير الدوران، مُعرضة للسقوط من جيب الرجل. قد كان الأفق أمامي مماثل لذاك حين كُنت في يد الرجل الصغير. كُنت أنزلق بتجاه ذلك الأفق و لا أملك شيئاً لإيقاف هذا الإنزلاق و إن أصعب أنواع الإنتظار، هو إنتظار وقوع المصائب، و أصعب أنواع الثانية هي المصائب المجهولة، كتلك حينما كُنت في وسط الرابطة بين الأوراق الأخرى ننتظر دور رجل صغير ليُمسكنا، عدا أن المجهول زاد و لم يكن هُناك من يهون عليّ الإنتظار كما في وقتها.
خرجت من الجيب منزلقة، مُتجهة نحو الأفق البعيد، متسائلة ماذا يوجد هُناك، و هل هي النهاية أم أن رحلتي مُمتدة؟ تدور بيا الدنيا، و تأخذني يميناً و يساراً تارة، شمالاً و جنوباً تارة. حتى وصلت ذاك الأفق و بقيت موجودة في أكثر الأماكن الغير مغلقة.
و لم ألبث فترة طويلةً هُناك، فقد إلتقطني رجلٌ جديد، و هذه المرة قبلني ذلك الرجل! إنها قُبلة تماماً مثل التي كانت يُعطيها الرجل الأول للرجال الصغار مُهدياً إياهم “خمسة جنية جديدة” و لا بد أن تلك القُبلة هي قيمة مُبادلة لقيمة “الخمسة الجنية الجديدة”، أو هي علامة محبة زائدة على قيمة الورقة. لا أعلم حقيقةً و لم أهتم، كل ما علمته أن تلك القُبلة كانت تقديراً و مقابلاً لكل ما عانيته في تلك الرحلة.
و لم يكتفي الرجل الجديد بالقبلة بل وضعني بمكان داخل جيبه، مكان كان واضحاً من تفصيله أنه مُخصص للأوراق المالية، غمرتني السعادة مُجدداً بعد زمن. و بدأت أشعر بقيمتي كخمسة جنية جديدة عليها إمضاء المُحافظ بذاته مُجدداً.
هُناك تعرفت على أوراق مالية جديدة، جُنيهات و ورقتان من فئة الخمسين و ورقةً ضخمة من فئة المائتان جنيه. و لكن الزمن كان كفيلاً ألا أرتبط بتلك الأوراق. فلقد كان الرجل الجديد كثيراً ما يقوم بتبديلهم، و لقد حمدت الزمن على ذلك الأمر حقيقةً. فأنا لم أرُد التعلق بأوراق أخرى تجنباً لألم فراقهم فيما بعد. فكان رفيقاً بي في تلك النُقطة.
و بالطبع لم يقُم الرجل الجديد بإخراجي، أو إستبدالي بأية أوراقٍ مالية أخرى. فلا أظن أن من بين تلك الأوراق الأخرى، خمسة جنية جديدة تحمل قيمة أشياء و أوراق مالية أخرى و قام بتقبيلها قبل وضعها في ذلك المكان داخل جيبه.
و سُرعان ما أثبت الزمن خطأي، و قام بمعاقبتي علي تعلقي. فلقد أخرجني الرجل الجديد. أخرجني و هو يحمل أوراق مالية أخرى سالباً مني إحساسي بالتفرد. أخرجني فقام بوضعي و الأوراق الأخرى تحت شكل إسطواني ليس له لون مثل هذا الزجاج، مفتوحٌ من الأعلى و يحوي القليل من مادة ليس لها لون أيضاً مثل التي كانت في الغسالة. قام بوضعنا تحت ذلك الشيء الغريب و مضى.
حقيقةً و لن أخفي عنكم مشاعري كما يميل البعض..”
“ماذا تقصدين يا نِصف الورقة؟”
“لم أكن أوجه كلامي مقصوداً لورقة أخرى يا “ريال سعودي”، كما أنك لن تشعري بالإهانة إن لم تكونِ معدومة الإحساس!”
“كفى! لدينا ما يكفي من الوقت لنتشاجر فيما بعد، الآن أكملي يا “خمسة جنية جديدة”.”
تكلمت “العشرة الجنية القديمة الحمراء” بصوت جهور يتناسب مع حجمها.
أكملت الخمسة الجنية حديثها: ” كما قلت لكم، فلقد غمرتني المشاعر وقتها، لقد تعلقت بذلك الرجل الجديد لدرجةٍ جعلتني غارقة في أحاسيس لم تجعلني أشعر بأي تنقلات حولي. فإن عدم تعلقي بأوراقٍ أخرى جعلني أتعلق بالرجل و جيبه لا إرادياً، فإن التعلق شيئٌ قد كُتب علي الورقة مِنا. فأنا الآن مُتعلقة بكم، حتى أنتِ يا “ريال سعودي” فأنا مُتعلقة بكِ أيضاً.
لم أدر بنفسي حتى وجدتني بين يد رجل ليس برجل صغير و لا رجل. و هي يعطيني لرجل مثله. قال له الآخر “خلاص يتبقالك عندي خمسة جنية”. فلم أفهم حقيقة كياني وقتها، هل أنا بحوزة المُمسك بي؟ أم بحوزة من يحمل قيمتي؟ و لماذا لم يقل له “خمسة جنية جديدة”؟ أذلك بسبب أنني لست مِلكه كلياً؟
لم أجد إجابات لكُل تلك الأسئلة و حقيقةً لم يعد لها معنى الآن، فقد قام الرجل لاحقاً بتقطيعي إلى نصفين! و أعطى نِصفي الآخر لرجل ثالث.
و لم تكن إجابات الأسئلة وحدها عديمة المعنى، بل كانت رحلتي من بعد ذلك بلا معنى أيضاً، فأنا لا أتذكر كيف إنتهى بي المطاف بينكم هُنا تحت ذلك الزجاج، نصف “خمسة جنية جديدة” لا تحتوي علي إمضاء المحافظ.”

أضف تعليق