يا مسك الرحيق يا جدي

لم أقتنع يومًا بكتابة الرثاء، ولا أجد فائدة من الحديث مع الموتى أيضًا. ومع ذلك أذهب لزيارة قبر جدي بين الحين والآخر. صامتًا، أقوم برص قليل الأحجار التي فوق قبره. ولا شيء آخر. ربما لم يترك جدي من الإرث المادي ما يجعلني أتباهى بِه ألا إنه ترك لي ما سأكتبه في سطوري تِلك، وما يسعني وَصفَّه إلا كما وصف الشيخ أحمد برين، شيخ طريقته أحمد الإدريسي قائلًا “يا مسك الرحيق يا جدي، يا نور الطريق يا جدي”.

كمال بكري حامد العجمي، أول مُعلم بقريته. تخرج من مدرسة المعلمين مُدرسًا للموسيقى، وهي المادة التي قد تكون الأقل أهمية لقرية مثل أبنود. وعلى الرغم من معرفتي بجدي بعد سنين إعتزاله لمهنته (مدير إدارة قنا التعليمية)، إلا أن رؤيته وهو يستمع لألحان قِدام المغنيين عبر إذاعة الأغاني صباحًا تعطيني إنطباعًا بأنه كان يحب ما يفعل. فقد كان يتذوق الموسيقى كما تعلمها، كان يعرف جيدًا اللحن الذي سيغني له الذكر من الأنثى.

ومن هنا كان أول ما أخذته عن جدي، حب ما تعمل، وليس بالمعني التقليدي بأن تحب ما تعمل لتعمل ما تحب. بل بمعنى آخر، وهو أن تستخرج المتعة مِن صغار الأشياء التي تعملها. والمتعة هنا ليست سعادة بلهاء مِثل فرحة طفل بلعبته الأولى أو فرحة المنتشي بالخمر، بل هي الصفاء النفسي، وراحة البال تجاه ما تفعل مؤمنًا مِن أعماق قلبك بأن هذه الحياة بما فيها من أحداث وما نمتلكه من أشياء وما نعلمه ولا نعلمه لا تساوي شيئًا. لأن بنهايتها سنموت جميعًا. الموت، لطالما أرهقته هذه الفكرة، خصيصًا وقد تَكوَّن وعيي في سنوات جدي الأخيرة. فما لبث من سماع خبر موت أحدهم، حتى أصابه الضجر لسماع الحقيقة الوحيدة الأزلية على هذه الأرض. وبعد سماعها يرتدي ثيابه، جلباب نظيف يعطي شخصه الإحترام الذي إكتسبه طوال حياته ويذهب ليؤدي دوره الإجتماعي (إن بدا له ذلك، فخلاف ذلك كان يكتفي بزيارة أبي ممثلًا عنه). وهنا ثاني ما أخذته عن جدي، وهو إكتساب الإحترام. ولا أعلم لماذا يعد هذا الأمر أمرًا حرجًا في صعيد مصر خصيصًا، لكن يجب أن تحصل على إحترامك، بالقوة، بالأموال، بطيبة القلب، لا يهم. المهم هو أن تحصل على إحترامك بين الناس، فنحن (عائلة كمال بكري) لا نطيق أن نصبح موضع إهانة أو عدم إحترام بين الناس وإذا حدث ما قد يؤدي إلى ذلك، نخلي الأجواء فورًا. فكما قال آمل دنقل “هي أشياء لا تشترى”.

ومع ذلك، فإنه لم يكن أبدًا مُطالبًا -أو مكترثًا للدقة- بهذا الإحترام. فالمعادلة بسيطة هنا، إعتزل ما يؤذيك وإذا ضايقك أحدهم، ضع بينك وبينه المسافة الكافية. فأتذكر موقفًا لجدي يدخل المجلس (وهو أكبره سنًا) فإذ بأحد الجالسين لم يقف ليسلم عليه، فمد له إصبعه برسالة واضحة: ستأخذ مقدار ما تعطي. وهذا كان أحد أهم الأشياء التي تعلمتها من جدي.

“ذاكرت؟ على كد ما ذاكرت هتحل، وعلى كد ما تحل هتجيب.” هكذا كان يتحدث، غير مطالبا بأن أكون من الأوائل. بل مطالبًا بأن أعي حقيقة مهمة وهي أن المرء نتاج أفعاله، لا يجب أن تكون أفعاله ذات قيمة كبيرة بالمعنى الدنيوي، بل يجب أن تحمل أهميتها بداخلك. أن تضيف معنى لحياتك أنت وإختياراتك أنت، مهما كانت هذه الإختيارات، لطالما تتسق مع النمط الإجتماعي العام من وجهة نظرك أنت أيضًا. أنت ملك حياتك، ولا شيئ يقهرك سوى الموت.

عمل جدي كمعلم، ومدير مدرسة وموجه معلمين، وغيرها ولا أعتقد أنه كان في يومًا مِن الأيام يريد صعود هذا السلم الوظيفي. ولأكون دقيقًا، فإن جدي لم يجعله غاية، فالغاية هي العمل. وما العمل إلا الحصول على راتب يوفر إحتياجات الحياة (التي يجب ألّا تزيد عن الراتب في تناغم رهيب) ومن خلال هذا العمل تجد نفسك وكما ذكرت سابقا، تضيف معنى لحياتك. فيجيد عمله ومن إجادة العمل تأتي الثقة البحتة بوجود المقابل. فلا أتوقع أن أجد مصورًا في قنا في الثمانينيات -نعم كان مصورًا فوتوغرافي- يعلم معنى بطل الصورة أو كيفية توجيه الإضاءة (بطريقة علمية) أو كيفية عمل الكاميرا، فهو لا يقبل أنصاف الأشياء ويأبى أن ينهي عملًا قبل أن ينتهي وتصليح الأمور والصلح بين الناس كانت هوايته المفضلة.

ومِن بين هواياته أيضًا حل الكلمات المُقاطعة، وشِراء الأشياء الجميلة ذات قيمة. هذه الأشياء قد تكون بين شاشة تلفاز حديثة مُبهجة أو كيلو مِن البُرتقال مِن “القفص السري للبائع” الذي يحفظه لزبائنه المُميزين مِثل جدي. كان له جلالة الزعماء ولم يتزعم أي أحد حتى أولاده.

حقيقةً الكلام لن يد عمّا بداخلي وأحداث النهاية ضبابية لأن دائمًا ما يتذكر المرء الأحداث السعيدة، ويترك الأحداث الأخرى بداخله تعبث بِه على مر الأيام. لذلك سأكتفي بهذا!

كُل ما أسعى له بحياتي، أن أكون في هذه الدُنيا زائر خفيف مِثل جدي

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ