على صفحة وجه النيل، ظللت اتأمل الأمواج و هي تتراقص هادئة معزولة عُزلة المكان الذي يسير فيه النيل، كانت تتراقص على إيقاع أمواجها مثل قاعة رقص في أوبرا بريطانية في العصور الوسطى و كأن كُل موجة تحتضن التي بجوارها و تسير معها على النغمات نحو شاطئ النيل حيث تلامسه برقة، فمياه النيل عذبة، ثقيلة الوزن تتناغم موجاتها مع الشاطئ برفق على عكس مياه البحر و هي تلامس شط الأسكندرية على سبيل المثال.
كُنت على الضفة الغربية من النيل، فلم يقسم النيل المدينة إلى ضفتين، بل كانت المدينة بأكملها على الضفة الشرقية. فإذا سنحت لك الفرصة للوقوف ليلاً في منتصف النيل ستجد على يمينك أضواء المدينة الصاخبة بلونها الأصفر، أما على يسارك ستجد أنوار متناثرة يقطعها مئذنة أو ظل بعض الأشجار و النخيل الممتد على الشاطئ. و كأن النيل – منبع الحضارة كما علمونا بالمدراس – قد إختار أن يُلقي بالطمي و الزرع و المزارعين و خشونة أهل الصعيد على ضفة و الحضارة و الكهرباء و الجامعات والملاهي على الضفةٍ الأخرى. و قد صوِّر النيل لي حينها كخط زمني لعمر الإنسان فهو لحظي يسير مرتطماً بموجاته بإحدى الضفتين لينتقل عبر الزمان إلى الشمال حيث المصب و مثواه الأخير و في ذلك الطريق تنتقل حياة الإنسان لحظياً من ضفةٍ إلى أخرى ليجد نفسه بنهاية المطاف قد قطع آلاف الكيلومترات بذلك الأسلوب اللحظي النمطي البطيئ. كُنت في إنتظار أحد أصدقاء المدرسة الإبتدائية. و كانت علاقتي به من النوع الذي ئاخذ من عُمرنا سنين لتوطيدها، فلم تكن علاقتي به قوية حينها ليجور عليها مسائل الإهتمام و الإنشغال و ما خلافه، بل كانت علاقة “سلامات” كما يقولون. فكُنا نتقابل كل بضع حين في الإجازات الدراسية و عطلات العمل، فقد كان يعمل بالخارج و كُنت أعمل متنقلاً بين القاهرة و قنا و أينما تلاقت دروبنا كنا نلتقي لنعرف ما الجديد بحياتنا و نتشارك ذكريات الماضي القليلة التي تراكمت من كثرة تلك اللقاءات مكونة موضوع الحديث للقاء القادم. فكما حدث تلك المرة حيث سألني إذ كُنت لا أزال على علاقة بتلك الفتاة التي صادفتنا بإحدى المقاهي القاهرية على الطراز الأمريكي. فأجبته بالنفي و قد ذكرني بذلك اللقاء حيث كانت مُهمتنا الوحيدة في المقهى هي مُتابعة الجالسين، فقد كان منهم الأحبة و المخطوبون و المتزوجون و من يعمل و من يتعلم و من هم مثلنا، عدى تلك الفتاة. فقد كانت وحيدة. و كُنا نتسلى حينها بإلقاء أحكامنا على الناس فهذا مُدعي الثراء و هو ليس بثري و هذا مدعي الثقافة و هو بجاهل و تلك تدعي الجمال و تلك تخفي جمالها الحقيق و هذا يدعي الإنشغال و هو مجوف مثل ترعة السيل. و لم نكن نعلم بصحة هذه الأحكام من خطأها و لكنها كانت – ولا تزال – طريقة لا بأس بها لقتل الوقت. و قد توقفنا عند تلك الفتاة الوحيدة كثيراً، فعندما تكون وحيد في مكان مثل هذا لا يعلم أحدٌ بأمرك لا تحتاج لإدعاء أي شيئ. فقد كانت ملابسها و قصة شعرها الأكرث تدلان على عدم الإهتمام المبذول بهما. كان أمامها العديد من الأوراق البيضاء منها و الممتلئة بالكلمات، و كانت ترتدي سماعات موصلة بهاتفها. و كانت منهمكة بتعبئة ما تبقى من الأوراق البيضاء بالكلمات. و عندما فقدنا الأمل بوضعها في خانات المدعين حاولنا تخمين ما تفعله. أول ما خطر ببالنا هو سماعها لتسجيلات إحدى محاضرات الجامعة. و لكن إنكبابها و شغفها في الكتابة لا يدل على عملٍ يُجبر المرء عليه. و سُرعتها لا تدل على عمل يتطلب التركيز. إقترح صديقي كونها زميلة لي في مجال الصحافة. و لكن لنفس الأسباب السابقة لم أعتقد أنها تعمل. و قد إستحوزت على فكرنا حقيقة و دارت بنا الحيرة و سخن الحوار و ٱنطلقت الرهانات و التحديات. و كان أخر التحديات هو أن أذهب و اسألها لننهي مسألة تلك الطاولة و نتناول التي تليها. و لم أجد أي حرج أو ممانعة في سؤالها فكما ذكرت لا داعي للإدعاء حيث لا يعلمك أحد. فذهبت فعلاً لسؤالها و لم أجد أي ممانعة منها في الحديث فعلمت أنها طالبة بكلية التجارة جامعة القاهرة و لم تكن تهوى التجارة و إنما تُحب الكتابة فقد كانت تكتب قصص قصيرة و روايات و قطع نثرية و كل شيئ و كانت – كما قالت – تنهال عليها الأفكار في ذهنها حيث لا تأخذ أي وقت في التفكير فيما تكتبه. و لم تكن تنشر ما تكتبه على الصفحات الإلكترونية على عادة الكتاب هذه الأيام إنما تكتبها بخط يدها لعرضها على إحدى دور النشر حيث ستُنشر كتبها بأعداد كبيرة و (سيضطر) قارئيها لقراءة ما تكتبه ثلاثة مرات و لم تبح لي عن الخطة التي ستجعلهم يضطرون لذلك. و على الرغم من لطفها في الحديث رفضت عرض أي من النصوص عليّ عند سؤالي، و اكتفت بإخباري أنها قصص مستوحاة من حياة الشباب و الكبار و الصغار و العجائز و الحرب و السلم و الحب و الكره و العائلات و الصداقات و الخيانة، فقد كانت تكتب عن كُل شيئ.
و أخبرتني بأنها تكتب بالعامية لا الفصحى فهي لا تريد حرمان أي أحد من قراءة كتاباتها ثلاث مرات. عرفتها بنفسي و أخبرتها أنني صحفي و عرضت عليها بلهجة غير ساخرة – على عكس نيتي – مساعدتها في نشر بعض قصصها بالجريدة التي أعمل بها، و لكنها رفضت بحجة أن ذلك سيخل بترتيب خطتها التي سوف تجعلهم يقرأون كتبها ثلاث مرات. و طفح بيّ الأمر بذلك الرقم و سألتها ساخراً تلك المرة هل ستجعل قصصها في قُدسية الفاتحة حيث تقرأ كُل صلاة؟ لم تبتلع حديثي و لكني سُرعان ما غيرت حديثي و سألتها: “بتسمعي إيه؟” أجابت: “السيدة فيروز.” ، و أخيراً وجدت حسنة بتلك الفتاة التي كانت على شفا خطوة من إثارة إشمئزازي و سخريتي، فسألتها مرة أخرى: “أنت بتحبِ فيروز؟ أنا سمعت كُل أغانيها.” و ردت علي ذلك الرد الذي قلب موازين حكمي عليها، و جعلني أستمع لهذا الجزء من التسجيل عدة مرات حتى يومنا هذا – لقد إشترط علي صديقي تسجيل المحادثة التي سوف تدور على هاتفي لشفافية الرهان الذي بيننا – ” إسمحلي أتكلم عن *السيدة* فيروز بالفُصحى مش بالعامية. لا يسعني الحديث عن *السيدة* إلا بتلك الطريقة معذرةً. إنّي حُبي للسيدة قد فاق حُب المعجب بمعجبه، قد فاق حُب أي مُتيم بالموسيقى. فلم يكن صوتها الرقيق العذب و لم تكن ألحان الرحبانية الفريدة، فمن أمر الصوت فهو هبةٌ رزق بها الكثير قليل منهم قد إستغلها. أمّا الألحان فقد وجدت أبحاث في أنواع الموسيقى و كثرتها و بالتأكيد يوجد ما هو أفضل منها. لقد أحببت الشخصية الغنائية داخل فيروز، فلا أظن أن الغناء جزء منفصل من شخصية فيروز و حياتها، بل بالعكس هُما شيئان متناسجان مثل خيوط الملابس. و دائماً ما قد تخيلت ذاك الحوار بينها و بين الرحباني حيث يقول لها: (فلنتزوج يا حبيبتي، و ليكن زواجنا محبة لما نفعل، الغناء!) فإنّي أجد الحب في كل أغاني السيدة، حتى تلك التي تتحدث عن الإحتلال أو الفراق، كانت تنبع بالحب، فلم تكن مهووسة مثل موتزارت، بل كانت مُحبة. و بالفعل إنطلقت سفينة الرحبانية تقودها السيدة، انشر المسرحيات و الأغاني و الحفلات و الترانيم و القصائد و التواشيح و الدبكات في جميع بقاع الأرض، و مع أكثر من ثمانمائة أغنية، لم تبح فيروز بأي شيئ من حياتها الشخصية، فهي منسوجة أصلاً في أغانيها كما ذكرت، تلك هي حياتها الشخصية، و أستمحيك عذراً يا سيد، لكنّي إمتقتك عند قولك إنك قد إستمعت لجميع أغانيها، هل إستمعت لأغانيها بالإذاعة ووهي طفلة؟ هل إستمعت لما غنت لزوجها أو ابنائها قبل النوم؟ هل إختصرتها فعلاً مثل مغني يخرج بعض الألبومات لتدر له الربح؟ ” و خرجت الكلمات من فمها فصيحة مثل مرتل حاصل على إجازة من جامعة الأزهر و لا تدل على أي ضعف باللغة لديها، و أي ضعفٍ في إرتجال مثل تلك الكلمات؟ و رفضت أن تعطيني رقم هاتفها و لكنها طلبت رقم هاتفي و قد وعدتني بالإتصال و إستئذنت بالرحيل. و عُدت لمنضدة صديقي و قد ضاق به الإنتظار و مع ذلك قابلني بإبتسامة بلهاء متشوقة لمعرفة نتيجة ذلك الرهان. و لم ينتبه للصدمة التي بوجهي و أعطيته التسجيل ليستمع إليه بنفسه و إستمتعت حقاً بمشاهدة تعبيرات وجهة و هي تتحول من الضحك و السخرية في بداية التسجيل إلى الصدمة التي في آخره. و قد جاوبت سؤاله بمصارحته بأنها لم تتصل بي أبداً، و إني قد إختلقت ذلك الأمر من شدة إعجابي بها. مع أنني لم أستطع أن أعثر عليها أو على كتبها! و ظللت باقي اللقاء أتذكر ذلك الموقف غير مبالي حقاً بذكريات صديقي، حتى إنه قد أنهى حديثه و ذهب لم أبالي حقاً فقد كان لساني معه متممًا على كلامه، ضاحكا على نكاته مودعا له بالنهاية، أما عقلي فلم يكن يفكر إلا بأمر تلك الفتاة و لم أستطع تذكر وجهها على الإطلاق، فقد كانت مجهولة الملامح في عقلي و لكنها كانت هناك. لم أعثر على ذلك التسجيل فيما بعد، و لم أعثر عليها، و لم يحول بين كونها قصة مختلقة من عقلي الباطن و كونها حقيقة غير صديقي، الذي ظل يذكرني بها في كل لقاء بعد هذا اللقاء على شاطئ النيل. و حقيقةً، لم يعجبني كونها حقيقة أو خيال، ما أعجبني حقاً هو كونها ذكرى، ذكرى محببة لدي تتكرر بين الحين و الآخر..
—
نُشرت بالجريدة التي يعمل بها الصحفي بعد ثلاثين عام من اللقاء و خمسة أيام من وفاة صديقه.
أضف تعليق