” علمني حبك كيف أهيم على وجهي..ساعات
بحثا عن شعر غجري
تحسده كل الغجريات
بحثا عن وجه ٍ..عن صوتٍ..
هو كل الأوجه و الأصواتْ ”
تحدث نزار قباني عن حُب إمرأته المُتيم بها هُنا واصفًا ، ولأكون أكثر دقةً واصمًا إياها بالعديد من الأشياء ، فهي التي أدخلته مُدن الأحزان ، وهي التي جعلته يهيم على وجهة ساعات . هي التي جعلته يقرأ الفرجان ، يُجرب طِب العطارين (في لمحةِ منه أنه عظيم التمدُن) ويطرق باب العرافات ، ولكن كاظم حينما قام بتلحين تلك الأغنية فلم يجد للشعر الغجري الذي تحسده كُل الغجريات مكانٌ على ورقته الموسيقية .
ولأكون صريحًا فإن إمرأتي الغجرية لم تفعل بي مثلما فعلت الأخرى بنزار ، ولكنها قد فعلت ما فعلت . فقد جاءت في الوقت المُناسب بحياتي (ولإعتباطي ظننت أنه غير مُناسب) . الوقت الذي لم يكن أحدٌ به بحياتي ، وكي لا يخونني التعبير ، لم يكُن هُناك أحدٌ بحياتي بالطريقة التي أريدها ، وجاءت هي بدون أي خُطط أو مُقدمات .
ولعدم أهمية الخطط والمُقدمات ، فسأترك لكم ما يُفسده واقع الحديث الإلكتروني الكاذب إلى الواقع المُنفصلين عنه . يوم الجُمعة 19 يناير ، قابلتها أسفل الفُندق النازلة به ، ويجب عليك كبت جماحك هُنا لأننا لسنا بباريس ، قليلٌ من السلامات ، بعض الجُمل المُصطنعة للبداية ، حتى وجدت نفسي جالسًا أشرب نوع جيد من البيرة . وهُنا حرّك الكحول بداخلي بعض الأشياء فبدأت بمُصارحتها عن عدم إلتفاتي لكلامها أحيانًا وإهتمامي أحيانًا أخرى ، وإعجابي لتشابُهنا في مرةِ ثالثة ومُطالبتي بحُضن لمرةِ رابعة . كان سريعًا ، لكنه كان كافي لإعطائي الكثير من الأحاسيس المُختلطة ، أولهم أن النساء لازالت تُحرك شيئًا داخي . صراحتها ، صوتها ، وشجاعتها ، كُل هذا كفيل بأن يجعلني “أهيم على وجهي” مثلما قال نزار . ولكن لماذا لم أتخذ الخطوة ؟ هل هي فعلًا نصيحة المجهول “متقعش على وشك” . أم أنه عقلي الباطن ، أم ماذا ؟ أنا حقيقًة لا أعلم . وبدون الخوض في تفاصيل غير مُهمة ، راقني إسلوبها المُنفعل الصريح التلقائي كُليًا ، فكلمات مثل “هو عشان طلعلوا شعر في بتاعه؟ مأنا عندي شعر بتاع ” كانت كافية لإثارتي. لذلك كأسين من الويسكي لن يُلحقى الضرر . قررنا النزول وفي غمرةً من المشاعر المُختلطة داخلي ، لم أستطع تمييز أي شيئ سوى نقص المال في جيبي . وإحساسي بالسعادة المُفرطة التي أعلم أنني سأندم عليها لاحقًا . ذهبنا لميدان تريامف وهُناك كانت العيادة التي أتلقى فيها جلسات العلاج جوار المُدمنين والمجانيين والمرضى ، وليس لي الحق بهذا الإسلوب في الكلام ، فأنا مثلهم أو أقل قليلًا كما قال محمود درويش .
كانت ظلت تلك الأفكار تراودني بالجزء الخلفي من رأسي الذي يحمل علامة “24/7” . ولكن جسدي كان ملكًا لها ، نسير ، نقف ، نتكلم ، نخشى نظرات الناس من زجاجة البيرة بأيدينا في الشوارع الليلية . وكأن الليلة لم تبدأ بعد ، كف الحديث عن أساطير الوهم وذهبنا لأساطيرنا نحن وبدأت هي بالكلام .
يا إلهي إن الجو أصبح مُظلمًا بداخلي ، حتى قالت “عايزة أطرطر” ، فعاد لي نفس الإحساس . وفي طريق عودتنا وفي داخل التاكسي ، كُل ما كان برأسي هو تقبيلها . لكنّي أعلم جيدًا أنني لن أفعل ذلك ، ولا أعلم لماذا !
عُدنا وبدأت حكايات شيقة ، بواب غريب الأطوار ، شخرة عالية الصوت ، أشياء غريبة غير مفهومة . حتى بدأت بإلقاء الحديث ، لم أستطع الرد حقيقةً على نصائحها سوى بعض الردود التي تُظهرني مُنصتًا لمُجارتها ، فكُنت أعلم جيدًا ما ستقوله ، فدائمًا ما يقوله نفس الشخص بنفس السن . ولكني أعجبني الحديث وكُل ما كان برأسي هو تقبيلها . إنها ليست بجمال إمرأة العزيز ولكنها بصوت حورية البحر ، وكما قال لي حسن ، انت مش مُهم البنت عندك تكون حلوة . قد راقت حقًا لي وكُل ما كُنت أريده وقتها هو تقبيلها .
قطعت حديثها ، “إنتِ سكرانة؟” ، “لأ” ، سألتها لأرى هل كثرة كلامها أفقدها نشوتها كما إتضح . ولا أعلم ما ظهر بوجهي لتسألني حُضنًا آخر . “يا ستي براحة عليا ، إنت أول واحدة أخرج معاها” . ترردت هذه الجُملة برأسي بصوت صديق لي ولا أعلم لماذا ، هل قام عقلي فعلًا بحذف النساء التي رأيتهم قبل ذلك (ثلاثة فقط!) . ولكنّي كُنت أفكر أيضًا بتقبيلها ، ولكن الجدير بالذكر إن الأفكار كانت تصدمني من نوعية “آه لو ينفع تبوسها” وكأن هُناك الحصن المانع المنيع بيني وبين ذلك المُنكر الحرام الغير لائق بسني ومكانتي الإجتماعية المرموقة بالطبع ! لا أعلم ماذا يفعل عقلي بي عندما أترك له زمام الأمور ! حان وقت الوداع وكانت اللحظة الحاسمة ، كُنت مُنتظرًا أن تُبادر هي ، أعطتني الحُضن الأخير . لم أفعل شيئًا . وإنتظرت حتى بعدت قليلًا وكانت حوالي عشر ثوانِ ، ثُم أسندت ظهري على سيارة وأشعلت سيجارة وأخذت أستوعب ماذا حدث طوال الساعات الماضية ولماذا يجب أن تنتهي تلك الساعات ؟
لم تُجبني الغجرية بعد ذلك ، ولا أعلم لماذا ؟ هل كان يجب عليّ تقبيلها ؟ لا أعلم . لكنّي أعلم جيدًا أنه كان يجب تقبيلها لأجلي أنا .
أضف تعليق