تحرك “الباص” في تمام الساعة السابعة و النصف صباحاً، و كان يحتوي علي أربعة صفوف، نِصفهم من النساء اللاتي كساهن السواد. فكانت عبائتهن تدل علي نفس الشخصية المُتكررة في تلك الصفوف. لكنها هُنا كانت تختلف عنهن – علي الأقل – في عقلها. فلا أظن أن غيرها في تلك الرحلة قد أمضت شهور في إقناع أبيها بالذهاب إلي البحرين لمدة يوم واحد. يوم واحد قد كلفها ستة أشهر من المكوث في المنزل. يومٌ واحد برفقة أخيها تمكثه في الفندق فقط لترى بحر مُختلف عن ذاك الذي في الدمام.
الدمام، لطالما إرتبط إسم مدينتها بالآية (دمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها). و كانت دائماً ما تشعر أن ربها قد إختارها هي بعينها ليدمدم عليها بوضعها في تلك الأسرة في تلك المدينة. و كانت دائماً ما تتسأل، ما الذنب الذي إقترفته ليرزقها بعقلٍ يُحيل كُل حياتها إلي عذاب؟ أهي سادية مُطلقة؟ أم أنها هي من أجرمت بإعمال عقلها؟ إنها لا تعلم و لكنها أوجدت لنفسها جميع الأسباب لتكرهُه.
بعد نصف الساعة كانت قد وصلت الرحلة إلي مدينة الخُبر. بغير معرفتها بوقت الرحلة مُسبقاً فقد علمت ذلك من خلال عدد الأغاني التي قد إستمعت عليها، لقد كانت تلك طريقتها المُعتادة لحساب الوقت، فكانت تُشبِّه حياتُها دائماً بجنود الخدمة العسكرية، أو عمال الحراسة، أو أياً كان من يتطلب عمله قضاء بعض الوقت لمُجرد قضائه. الفارق الوحيد أنه كان عليها قضاء جميع ساعات إستيقاظها بنفس الأسلوب.
قد وصلت الرحلة إلى البحرين بالفعل، و إستقل أخوها عربة أجرة فور وصولهم.
كانت لا تعجب من إقتناع أخيها بحُجتها في رؤية بحرٍ مُختلف عن الدمام بقدر عجبها من إقتناع أبيها بتلك الفكرة! و لكن سبب ذلك الإقتناع غالباً كان غباء أبيها، و عدم إكتراث أخيها. فكانا الإثنان علي وجه الدقة لا يكترثوا لأمرها، عدا أن أبيها كان لديه من العادات و التقاليد و “إسم العائلة” ما يكفي ليملأ حياتها بالسواد.
بمُجرد وصولهم الفُندق، قام بإحضار وجبة الإفطار التي أحست نحوها بقليل من العطف، لم تكن تعلم أينبع من أخيها أو من فِكرة الحُرية المتمثلة في إفطارٍ خارج منزلها. و لكن سرعان ما قام أخيها بتحذيرها تحذيراً روتينياً يحمل رقماً بعد الألف في قاموس التحذيرات لديها بشأن الخروج حتى من شُرفة الفندق. ثُم ودعها وداعاً روتينياً و هَم بالخروج. حينها فقط، أحست أنها حرة طليقة إلى الأبد، حينها فقط قد بدأت رحلتها هي.
قامت بتسريح شعرها الذي كان شديد السواد، شديد الطول بحيث يصل إلى مُنتصف ظهرها، فقد أمضت تلك المُدة التي سبقت رحلتها في العناية بشعرها و جسدها. فكانت تلعب الرياضة يومياً حتى أصبح جسدها مثالي، جسد فتاة شديدة البياض مُتناسق بطريقةٍ أوروبية في أبعد ما يكون عن الشرق.
قامت بوضع طرحتها برفق علي شعرها كي لا تُفسده و كي تتناسب مع عبائتها. فكانت شديدة الحِرص علي مظهرها بتلك الرحلة. و خرجت من الفندق حاملة حقيبتها التي تحوي بعض المال الذي استطاعت توفير بعضه و سرقة الباقي.
قامت بإستقلال سيارة أجرة إلى المركز التجاري حيثُ قامت بشراء مُتطلبات رحلتها: رزاز الدهان، علبة سجائر ذات نكهة، مُستحضرات تجميل، فستان قصير ورديّ اللون، و لم تشترِ معطف علي الرغم من برودة الجو. ثُم أكملت خطتها – المُرتبطة بالوقت إرتباط مُحكم – بالذهاب إلي مطعم غربي يُقدم اللحم المشوي المُقدد ليس مثل ما يُقدم في منزلها. و في أثناء إنتظارها لطلبها ذهبت إلي المرحاض حاملة مُشترياتها، قامت بنزع جميع ملابسها من العبائة حتى ملابسها الداخلية. فكانت عارية تماماً، تنظر ببهاء إلى إنجازها الذي أتممته في شهورها الأخيرة، فإن رحلة مُحكمة التخطيط كتلك تحتاج لحظات إحتفاء. و قامت بإرتداء فستانها. ثُم خرجت بعد ذلك إلي مرآة المرحاض تنظر إلى جمالها، فقد كانت شديدة الجمال بذلك الفُستان الذي كان يُظهر حتى أعلى رُكبتيها من الأسفل و كتفها و أعلي نهديها من الأعلى. كانت ترى نفسها جميلة، لا تحتاج إلي وضع مُستحضرات التجميل التي إبتاعتها، فكان وجهها شديد البياض، و خديها شديدي الحُمرة، و شعرها طويل ممدود علي كتفها الأيمن و نصف صدرها الأيمن. رأت أن وضع قليلاً من أحمر الشفاه سيُكمل تلك اللوحة المنعكسة علي المرآة. الآن هي جاهزة للخروج إلى ذلك العالم الذي لم يُحبها.
سارت من المرحاض نحو المنضدة، سارت تختال كأنها نجمة سجادة حمراء، تتراقص خطواتها و هي حاملة حقيبتها الصغيرة علي رسغها الضئيل. أنهت رحلتها القصيرة بالجلوس علي المنضدة و قد طلبت كأس من النبيذ الأحمر، جلست جلسة فتاة باريسية في عشرينيات القرن الماضي ترتشف من كأسها و تأخذ نفساً من سيجارتها تاركةً عليها قُبلةً حَمراء. كم تمنت أن تمارس الجنس تلك الليلة، و لكن خطتها لم تكن تتحتمل نسبة إخفاق محتملة، كما أن ذلك الأمر قد نال من حياتها نصيبه مع سائق أبيها الذي قامت بإغوائه و ترهيبه ذات يوم.
تناولت وجبتها علي طريقة تدل على اصل تلك الوجبة، و ميلادها هي من جديد. ثم طلبت كأساً آخر من النبيذ، و قامت بشُرب سيجارة أخري و أخرجت ورقة من حقيبتها.
“أحببت فيك تمردك، طغيانك علي كل القوانين بكسرها جميعاً دون إستثناءات، شُربك للسجائر لأنها ممنوعة، حديثك معي لأنه عيب، تصويرك “الفاجر”، حتي عدم إيمانك، لم يكن فلسفي مثل نيتشه أو غضباً علي الآلهة مثل محفوظ، أو علمي بحت كداوكنز، بل كان نابع من نفس فِكرة التمرد. أحببت فيكِ تركك جثمانك لهم ليفعلوا بِه ما يريدون و عيشُكِ داخل مملكتك الخاصة تفعلين ما تريدين، أحببت فيك أنتِ التي أردتيها. و لست أنت التي تكونيها.”
و قامت بتمزيقها و وضعها في مطفأة السجائر.
خرجت من المطعم بنفس الطريقة مختالة بجمالها مُستمتعة بنظرات من حولها. و كانت دائمة السؤال عن الوقت.
قامت بطلب سيارة أجرة و أخبرته بوجهتها، أول جسر الملك فيصل، طالبة منه أن يحاول أن يسير بجوار الخليج قدر إستطاعته بحيث تصل قبل الغروب بنصف ساعة، و بالفعل قام بذلك أملاً في بضع دنانير زيادة من تلك السائحة المصرية أو اللبنانية. و كانت مستمتعة بالمنظر أمامها فكانت لا تُفكر في فُرصها الضائعة، أو حياتها الماضية أو أي شيئ فقد أقنعت نفسها أن وقت التفكير قد ولَى و كانت حريصة فقط على الإستمتاع بمنظر البحر، متعتها الوحيدة منذ الطفولة.
وصلت إلي وجهتها علي بداية جسر الملك فيصل وأعطت السائق ما تبقى لديها من أموال،و تعجب من كثرة الريالات التي في يده أكثر من تعجبه بكونها ريالات.
قامت بالسير علي الجسر، وحيدة، تحيطها المياه من كل ناحية و أصوات السيارات المُسرعة جوارها، تنعكس عليها أشعة الشمس فتجعل تباين ألوانها السوداء و البيضاء و الوردية تظهرها كنجمة فيلم سينمائي محاطة بطاقم عمل كامل يسعى لإخراج أبهى صورها. لقد أعطت نفسها مشهد درامي ظنت أنها لا تستحق أقل منه.
قامت بإشعال سيجارة، و أسندت بكوعها علي حافة الجسر تنظر إلي الخليج نظرة تجعل عينيها السوداء تلمعا. تراقب أشعة الغروب و هي تلامس جسدها، و تراقب الشمس في طريقها للأسفل، ثُم قامت بإلقاء السيجارة في الخليج و أخرجت رزاز الدهان من حقيبتها و كتبت علي رصيف الجسر “لقد أحببت ذلك العالم الذي لم يُحبني”.
أضف تعليق