في الميكروباص

 ما سأرويه لكم اليوم هو إنعكاس لما كُل ما نراه مُنمقاً في الكُتب، و بمعنى آخر هو ترجمة لنظريات الإقتصاد و الفلسفة التي ندرسها و لا نجد في جفاءها أثراً على أرض الواقع إلا أن وجودها هو ما جعلها تشق طريقها بين طيّات الكُتب عدا أن تعقيد اللغويات و المصطلحات هو ما أكسبها ذاك الجفاء.

الساعة الحادية عشر و النصف مساءاً في محطة عربات الأجرة في “رمسيس”. تجد هُناك سائقي “الميكروباصات” يطبقون قانون العرض و الطلب على أرض الواقع. ففي الساعات التي تتكاثر بها العربات تجد نفسك الطلب ذي القيمة. فترى السائقين في كُل مكان يتهافتون عليك بنداءات متناغمة نحو وجهتهم و ما في طريقها من محطات أخرى. كما يقومون بإغراءك بعبارات مثل “واحد أكتوبر و طالع” حفاظاً لوقتك. و حينها أيضاً يُمكنك إختيار الكُرسي المناسب لك، لتجد السائق هَم بعملية إقناع راكب آخر بإخلاء كُرسيك الذي إخترته حتى لا يظفر بك سائق الميكروباص الذي يليه.

و في تلك الساعة كان حظي يقع على النصف الآخر من النظرية. حيث يتكاثر الزبائن على أرض المحطة و تختفي العربات و ما إن تأتي عربة أجرة حتى تجد الناس يتزاحمون حولها مثل النمل حول حبة من السكر، عدا ان الشتائم و التزاحم يحلون محل النظام و الدقة عند النمل. و تجد السائق يشترط وجود راكب واحد يدفع ثمن الكرسيين الأمامين وحده كيلا يزاحمه راكبان طول الطريق، كما أن بعض السائقين يشترطوا – و بطريقة غير مباشرة – كون ذلك الراكب أنثى حتى يظفروا ببعض النظرات المختلسة أثناء نظرهم للمرآة و ما خلافه. و وقع حظي على أحد السائقين المُحترمين الذي أرتضى بي في الكرسي الأمامي جواره و لم يقم بحجزه لأنثى ما قد تشاركه حياته مستقبلاً كما يظن بعض السائقين. و صراحةً، إني أحب ذلك الكرسي حيث هو المكان الوحيد الذي يمكنني فيه إشعال السجائر. و ما لبثنا بعد إنتصاري بذاك الكُرسي قبل وجود أي أنثى، و امتلأت العربة، حتى تحرك بنا السائق. كان ثلاثيني العمر و من خاتم إصبعه يبدوا أنه متزوج. كما كان يبدوا عليه أنه من أصحاب الشهادات إلا أن الأقدار شاءت أن ترميه على إحدى المِهن التي كان يُحذرنا مِنها أهلنا في المرحلة الثانوية كي نحصل على إحدى الشهادات التي بدورها سنصبح نحن من أصحاب الشهادات.

و دار ذلك الحوار الذي جعلني أستمع جيداً.

-“الأجرة خمسة جنية يا حضرات”

قالها السائق في صوت مضيف طيران و بكل إحترام.

“خمسة جنية ليه ياسطا؟ مبنركبها بأربعة و نص كُل يوم.” قالها أحد الركاب الذي بدا من صوته ضخامة جسمه.

و كان صوته هو الفتيل الذي أشعل تعليقات الناس التي تحمل في طيّاتها كون السائق )نصّاب و حرامي( يريد أن يظفر بنصف جنية زيادة على كُل فرد من العربة، مما يعني سبعة جنيهات. و بدأ السائق يرد عنه هذه الإتهامات مُستخدماً غلاء أسعار البنزين و الزيت و قطع الغيار. و قادت الصراع من طرف الرُكاب فتاة في مُقتبل العمر حيث أعادت للصراع حدته عندما أصرّ السائق على رأيه معطياً إياهم باقي “الأُجرة” منتقصاً منها نصف جنية لكل راكب. معللتاً دفاعها بأن الحكومة قد قامت بالفعل برفع “تسعيرة الأجرة” من أربعة جنيهات لأربعة جنيهات و نصف و أن ذلك النصف جنية لن يذهب سوى إلى جيبه مباشرةً.

“طيب و الحكومة عملت حسابها علي چيركن الزيت؟ و لا سايس الموقف اللي عايز سيجارة؟ و تدخل الموقف من هنا ده يقولك راضيني و ده يقولك راضيني، و انا مين يراضيني؟” قالها السائق بصوت يخلو من طلب الشفقة، قالها بصوت فخور مُطالباً بحقه.

“و أنا كطالبة يعني ابويا مطالب انه يدفعلي مصاريف جامعة، و مواصلات رايح جاي و كل حاجة بتغلى و غليت على الكُل يعني مش لوحدك.” قالتها بصوت غلبه الشفقة، فلم تصل لتلك الدرجة من القوة التي تحدث بها السائق.

“خلاص، ماهو كله عارف انها بتيجي على راس المستهلك في الآخر.” رد السائق و كأنه يرمي الكارت الرابح، فهو محق، إنه الطلب، فهو الآن الذي في يده القوة. و بعد أن ظننت أنه قد ربح المعركة ظهر ذات الصوت الجهوري الذي أشعل الفتيل مطالبا السائق بالوقوف عند أي نقطة مرور لكي يناقشوا موضوع “هتيجي على راس مين” كما قال.

عندها صمت السائق، و أظن أنه حينها قد علم أنه خسر الصراع. و رأيت بذلك السائق ما يُمثلني، فلقد صارع طوال الطريق أن يظفر بسبعة جنيهات. حاول أن يظفر بها بدون أن يكون لص. و لكنه في نهاية الطريق فشل. في ذلك الطريق الذي يدور فيه الصراع الذي غالباً ما تتوج نهايته بالفشل، ذلك الفشل المؤكد الذي تعلمه قبل أن تبدأ الطريق إلا أن شياطين الأمل تحثك على البداية أياً يكن. و قد إختار السائق لنفسه نهاية غير مأسوية، فلم يختار الهوان على أمر هو يعلم أنه غير مقدر له من البداية؟ فقد حَادث التي كانت تكلمه، و التي أظن أنه كان يراها على ذات المستوى في ذلك الصراع قائلاً ان كُل ما في الأمر هو سبعة جنيهات و قام بإعطائها نصف جنية اولاً ثم باقي العربة، و لم أحصل أنا على جنية باقي الأجرة الخاص بي، و لم أطالب به، فكما قُلت لكم لقد كان يُمثلني في رحلته تلك على المحور برحلتي في الحياة عموماً و لن أكره لنفسي إنتصار صغير مثل إنتصاره بذلك الجنية.

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ