إستيقظ منحوس في عاشر أيام عيده المجيد، العُطلة الصيفية. حيث كان يعامل العطلات كأعياد، فلم لا و هي تعزله عن أكثر شيئ يمقته في حياته و هو الدراسة. و كانت فرحته بذلك العيد مثل غيرها من الأعياد تذوب بعد مضي ساعات قليلة، ففي الأعياد الرسمية تبغضه الزيارات العائلية و كلام النسوة الذي لا يُقدم أي شيئ و لكنه فقط يؤخر. أما العطلة الصيفية فلا تبدأ حتى يجد نفسه معزول عن جميع الأصدقاء و يبدأ ميعاد معركته السنوية مع الملل حيث يحاربها بهاتف و بعض مواقع التواصل الإجتماعي و كثيرٌ من النوم و يتسلح الملل بجميع أنواع الفراغ الضَجِّر. فتح منحوس هاتفه ليجد حربً جديدةً أمامه، بريد يُخبره بدرجات هذا الترم حيث – و لمرةٍ أخرى – قد رسب في ثلاثة مواد. و رسالة من صديقته التي كان يخطط الزواج بها يوماً ما تخبره فيها أنها لا ترغب بمعرفته مرة أخرى. و لكن منحوس إختار ألا يحارب مرةً أخرى، و قد عقد النية على الإنتحار. لقد كانت فكرة الإنتحار تراوده، فهو يتذكر حديثه مع جده الجالس السيد صالح، حيث كان كبير الجالسين بالبلدة و قد كانت تلك الرتبة في دين الكراسي توازي الأسقف في المسيحية. و قد أخبره جده أن الكراسي لا تكون غاضبة على المنتحر إلا إذا لم يستنفذ جميع محاولاته. و قد عدّ منحوس نفسه من المستنفذين، إذ أن حياته لا هدف لها و لا أهمية لوجوده و لا هو ناجح بشيئ و لا هو فاشل كلياً، لا أصدقاء، لا أحباب، لا شيئ. وصل به الضجر أنه كان يشك بدينه الكراسي معللاً أن هناك كائنات أخرى على الكوكب ديانتهم تتطلب منهم إرتداء الملابس حتى الوجوه، و قومٌ آخرون تطلب منهم السير عراة. و لكن دين الكراسي هو الوحيد الذي يمنع معتنقيه من الجلوس، فلا يسمح إلا للصالحين بالجلوس مثل جده السيد صالح. ضربته كل تلك الأفكار في رأسه و هو لا يزال على السرير يدعي النوم حتى لا ينهض واقفاً لباقي النوم. و لكنه تلك المرة قد عزم على إنهاء حياته، و قام بجمع الكراسي التي في البيت و أخذ يستغفرها ليطلب منها السماح على ظنونه بها و يخبرها أنه قد إستنفذ جميع محاولاته. و قبل أن يبدأ صلاته تذكر السبب الوحيد الذي قد يمنعه من الإنتحار، والدته الفقرية السيد صالح. حيث إنها الكائن الوحيد الذي يُحبه على هذا الكوكب. كما أنها ضحت بالكثير من الأموال مقابل تعليمه و لقد آثرته على نفسها طوال حياتها. فإذا قام بإنهاء حياته فإنه سيقوم بإنهاء حياتها هي أيضاً. و لكن ما سرعان ما باغتته فكرة، ألا و هي كتابة رسالة لأمه يخبره فيها أنه يكرهها أشد الكره لدرجة لا تجعله يتحمل الحياة حينها خبر وفاته لن يكون بنفس الواقعة عليها. لقد أعجبته تلك الفكرة و بدأ في كتابة الرسالة على هاتفه و لكن قبل إرسالها فكر في أمر عدم نجاح عملية الإنتحار لأي سبب. فهو لا يرغب بترك ذلك الأثر في حالة حياته بجوارها. ففكر في كتابة الرسالة ورقياً، إذ لم تنجح العملية فسيقوم بحرقها قبل أن تراها الفقرية. و بالفعل بدأ في تنفيذ الخطة و رتل صلاواته للكراسي، و خرج لشرفة المنزل و عندما رأى الإرتفاع حيث الطائرات تمر من تحت شباكه، أصابه الذعر فلم يتسلق الشرفة حتى، و أخذ يهرول نحو سريره و قد أوقع إحدى الكراسي في طريقه. و إستلقى على سريره يشاهد إحدى البرامج المضحكة و الدموع تملأ عينيه. و بعد فترة زمنية غير وجيزة عادت الفقرية من العمل لتجد إبنها يضحك مع أن وجهه محمر من البكاء و آثار الدموع على عينيه فقالت بإبتسامة خفيفه: “عجبي، يبكي و يضحك كعاشق خط سطراً في الهوى و محاه فعلاً” ثم قالت بصوت أعلى و ضحكة رفيعة “سقطت تاني يا منيل؟”
أضف تعليق